الشيخ الطبرسي

26

تفسير مجمع البيان

ذاك الذي وأبيك يعرف مالك والحق يدفع ترهات الباطل ( 1 ) ويجوز أن يكون نصبه على المدح بمعنى : أعني ربنا ، وأذكر ربنا . اللغة : قال الأزهري : جماع الفتنة في كلام العرب : الامتحان ، مأخوذ من قولك : فتنت الذهب والفضة : إذا أذبتهما بالنار وأحرقتهما . وقد فتن الرجل بالمرأة ، وافتتن ، وقد فتنته المرأة ، وأفتنته ، قال الشاعر : لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت عقيلا فأمسى قد قلى كل مسلم ( 2 ) الاعراب : العامل في ( كيف ) قوله ( كذبوا ) ولا يجوز أن يعمل فيه ( أنظر ) لأن الاستفهام له صدر الكلام ، فلا يجوز أن يعمل فيه ما قبله . المعنى : ثم بين سبحانه جواب القوم عند توجه التوبيخ إليهم ، فقال : ( ثم لم تكن فتنتهم ) اختلف في معنى الفتنة هنا على وجوه أحدها : إن معناه ثم لم يكن جوابهم لأنهم حين سئلوا اختبر ما عندهم بالسؤال ، فلم يكن الجواب عن ذلك الاختبار إلا هذا القول . وثانيها : إن المراد لم يكن معذرتهم ( إلا أن قالوا ) عن ابن عباس ، وقتادة ، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام ، وهذا راجع إلى معنى الجواب أيضا . وثالثها : ما قاله الزجاج : إن تأويله حسن لطيف ، لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام ، وتصرف العرب في ذلك ، والله عز وجل ، ذكر في هذه الآية الأقاصيص التي جرت من أمر المشركين ، وأنهم مفتتنون بشركهم ، ثم أعلم أنه لم يكن افتتانهم بشركهم ، وإقامتهم عليه ، إلا أن تبرأوا منه ، وانتفوا منه ، فحلفوا أنهم ما كانوا مشركين ، ومثل ذلك في اللغة أن ترى إنسانا يحب غاويا ، فإذا وقع في هلكة ، تبرأ منه ، فتقول له : ما كانت محبتك فلانا ، إلا أن افتتنت منه . فالفتنة هاهنا بمعنى الشرك ، والافتتان بالأوثان . ويؤيد ذلك ما رواه عطا ، عن ابن عباس قال : ( فتنتهم يريد شركهم في الدنيا ) وهذا القول في التأويل يرجع إلى حذف المضاف ، لأن المعنى لم يكن عاقبة فتنتهم إلا البراءة منها بقولهم ( والله ربنا ما كنا مشركين ) . ويسأل : فيقال كيف يجوز أن يكذبوا في الآخرة ، ويحلفوا على الكذب والدار

--> ( 1 ) الترهات : الطرق الصغار غير الجادة تتشعب عنها واستعير في الباطل . ( 2 ) قلى الرجل : أبغضه